الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

241

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ هذه صفة صلاة الخوف في الجماعة لقوله : فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ . واتّفق العلماء على أنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف . وأكثر الآثار تدلّ على أنّ مشروعيتها كانت في غزوة ذات الرّقاع بموضع يقال له : نخلة بين عسفان وضجنان من نجد ، حين لقوا جموع غطفان : محارب وأنمار وثعلبة . وكانت بين سنة ستّ وسنة سبع من الهجرة ، وأنّ أوّل صلاة صلّيت بها هي صلاة العصر ، وأنّ سببها أنّ المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا : هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غرّة ، فأنبأ اللّه بذلك نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ونزلت الآية . غير أنّ اللّه تعالى صدّر حكم الصلاة بقوله : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فاقتضى ببادئ الرأي أنّ صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلّا إذا كانت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته . وبهذا قال إسماعيل بن علية ، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله ، وعلّلوا الخصوصية بأنّها لحرص الناس على فضل الجماعة مع الرسول ، بخلاف غيره من الأئمّة ، فيمكن أن تأتمّ كلّ طائفة بإمام . وهذا قول ضعيف : لمخالفته فعل الصحابة ، ولأنّ مقصد شرع الجماعة هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد ، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان . على أنّ أبا يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدلّ الآية على الاختصاص بإمامة الرسول ، ولذلك جزم جمهور العلماء بأنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبدا . ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذ من ملازمة النبي صلى اللّه عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلّا للضرورة ، كما في الحديث « لولا أنّ قوما لا يتخلّفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة سارت في سبيل اللّه » ، فليس المراد الاحتراز عن كون غيره فيهم ولكن التنويه بكون النبي فيهم . وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخّص اللّه للمسلمين معه يرخّصه لهم مع أمرائه ، وهذا كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : 103 ] . وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال : « فلتقم طائفة منهم معك » علم أنّ ثمة طائفة أخرى ، فالضمير في قوله : وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ للطائفة باعتبار أفرادها ، وكذلك ضمير قوله : فَإِذا سَجَدُوا للطائفة التي مع النبي ، لأن المعية معية الصلاة ، وقد قال : فَإِذا سَجَدُوا . وضمير قوله : فَلْيَكُونُوا للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة ، لظهور أنّ الجواب وهو فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ . وقوله : وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى هذه هي المقابلة لقوله : فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ .